السيد رضا الصدر

88

محمد ( ص ) في القرآن

وإنّه على خلق عظيم . خاطبه ربّه في هذه الآيات ، وأكّد كلامه بالقسم وبلام التأكيد ، وقال : إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . كانت الآيات السابقة في مقام نشر أوصاف محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وهذه الآية الكريمة في مقام جمع أوصافه ، وإجمالها . إنّ محمّدا بصفته على خلق عظيم واجد لجميع الفضائل والفواضل ، ومنزّه عن جميع النقائص والرذائل ، فهو تال لربّه في الخلق ، ولكنّ ربّه واجب ، محمّد صلّى اللّه عليه وآله ممكن . ربّه واجب الوجود ، واجب بذاته ، واجب في صفاته ، ومحمّد صلّى اللّه عليه وآله ممكن الوجود ، ممكن في ذاته ، ممكن في صفاته على حدّ التعبير الفلسفي . محمّد صلّى اللّه عليه وآله مخلوق وربّه الخالق . محمّد صلّى اللّه عليه وآله عبد وربّه المعبود ، سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ . . . « 1 » . إنّ محمّدا بصفته على خلق عظيم . ليّن ، عفوّ ، مستغفر لقومه ، اذن خير لهم ، رؤوف بهم ورحيم ، حييّ لا يثبت بصره في وجه أحد . وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها ، وكان إذا كره شيئا يعرف ذلك في وجهه ، فلم يكن ذا وجهين وكان لطيف البشرة ، ورقيق الظاهر ، لا يشافه أحدا بما يكرهه ، وكان إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل : « ما بال فلان » ، ولكن يقول : « ما بال أقوام يصنعون كذا » ، ويقولون كذا ، وينهى عنه ولا يسمّي فاعله . جاءه يهوديّ له عليه دنانير فتقاضاه ، فقال له : يا يهودي ، ما عندي ما أعطيك ، فقال : إنّي ما أفارقك يا محمّد حتّى تقتضيني ! فقال : إذا أجلس معك . فجلس معه حتّى صلّى في ذلك الموضع الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة ، وكان أصحابه يتهدّدون اليهوديّ ويتوعدونه . فنظر إليهم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وقال : ما الذي تصنعون به ؟

--> ( 1 ) الإسراء ( 17 ) الآية 1 .